بسم الله الرحمن الرحيم

لقد أدى اكتشاف طاقة الاشعاع إلى إمداد البشرية بمصدر هام وطويل الأمد للطاقة، كما دفعت صناعة النظائر المشعة باتجاه التطوير السريع لاستخدام الإشعاع في جميع فروع العلوم والتكنولوجيا الحديثين. كذلك انتشر بشكل واسع استخدام الإشعاعات النووية في الطب لأغراض تشخيص الأمراض وعلاجها. وقد نشأ فرع خاص من فروع الطب الحديث هو الطب النووي وتتطور بشكل سريع طرق استخدام الإشعاع في الكشف عن الإمراض وعلاجها. ويتزايد باطراد اعتماد الدول على طاقة الاشعاع في صناعة الكهرباء. كما أن الانتشار السريع لتقنيات الاتصال اللاسلكي وخصوصا الهواتف الخلوية وأبراج محطاتها والأجهزة الالكترونية والكهربائية الأخرى أدى الى زيادة التلوث البيئي بالاشعاعات الكهرومغناطيسية ومن ثم الى تخوف الجمهور من الاثار الصحية للاشعاعت الغير مؤينة. مما حدى بمنظمة الصحة العالمية واستجابتة لتزايد تساؤلات الجمهور الى انشاء المشروع الدولي للمجالات الكهرومغناطيسية عام 1996 والذي حدد مجموعة من الاهداف منها تقييم المخاطر الناجمة عن التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية وتشجيع البحث العلمي وتوفير المشورة العلمية للبرامج الوطنية وتنسيق البحوث بين الدول. وكانت فلسطين من أوائل الدول العربية التي شاركت في هذا المشروع العلمي الهام عن طريق مركز علوم وتكنولوجيا الاشعاع في جامعة القدس. 

انه لمن الصعب إن نتصور اليوم حياة الإنسان المعاصر دون استخدام الإشعاع بنوعيه المؤين وغير المؤين. فبواسطة الأشعة استطعنا تحقيق التحكم الآلي والإدارة الذاتية في الصناعات والتكنولوجيا وتم حل العديد من المشاكل في الكيمياء ونستطيع عن طريق تشعيع التفاعلات الكيميائية الحصول على أنواع جديدة من المواد وتطويرها وفحص تركيبها بدقة. ويستخدم الإشعاع في مراقبة جودة المنتجات الصـناعـية في جميع مراحل إنتاجها. وقد دخلت تطبيقات تكنولوجيا الإشعاع في جميع فروع العلوم الطبيعية والبيئية وحتى العلوم الإنسانية.

من ناحية أخرى وبما أن الإشعاعات النووية تؤدي إلى تأين ذرات المواد التي تصادفها فقد تكون في منتهى الخطورة وقد تسبب أضرارا كبيرة للأجسام الحية. ويكون تأثير الإشعاع ضارا بشكل خاص على الأجيال المقبلة فالأشعة الكونية تتخلل جسم الإنسان، والصخور والتربة المحيطة بنا تحتوي على عناصر من المواد المشعة الموجودة في الطبيعة بشكل دائم. ويأتي هنا الدور الهام للوقاية الإشعاعية حتى في الدول التي لا تملك صناعة نووية ولم تدخل التكنولوجيا النووية في حياتها، فقد تبين أنه في الظروف العادية لعمل المفاعلات النووية وفي حالة عدم وجود تفجيرات نووية أو تسربات للمواد المشعة الصناعية إلى البيئة يكون المصدر الأساسي للجرعة الإشعاعية التي يتلقاها الإنسان هو الإشعاعات النووية الموجودة في الطبيعة.

ولما كانت دولة فلسطين من أوائل الدول التي شاركت في تأسيس الهيئة العربية للطاقة الذرية، وتتمتع بعضوية مراقب في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، فأن المشاركة الفعلية في البرامج العلمية في هذا المجال تنطوي على أهمية خاصة حيث أن بناء المجتمع الفلسطيني الحديث والرقي بشعبنا إلى مستوى الشعوب المتحضرة عبر دعم اقتصادنا الوطني في القطاعات الإنتاجية وقطاعي التعليم والصحة والاستفادة من العلوم والتكنولوجيا الحديثة يؤكد أهمية اعتماد علوم الإشعاع واستخداماتها في المجالات السلمية. الأمر الذي يتطلب إنشاء مؤسسة وطنية فلسطينية تكون قادرة على استيعاب وتطبيق وتوطين علوم وتكنولوجيا الإشعاع في حياتنا. وقد كانت جامعة القدس، هذا الصرح العلمي الكبير في مدينتنا المقدسة سباقة في الانتباه إلى هذا الموضوع العلمي والتقني الهام وذلك إيمانا منها بأن الاهتمام بعلوم الإشعاع واستخداماتها السلمية وتبني برامج الوقاية الإشعاعية والحفاظ على البيئة من خطر التلوث الإشعاعي، أمر ضروري وحيوي من أجل تحسين نوعية الحياة البشرية في مجتمعنا الفلسطيني.

إننا في مركز علوم وتكنولوجيا الإشعاع في جامعة القدس، ومن خلال هذا الجهد العلمي المتواضع الممثل في إطلاق الصفحة الالكترونية للمركز نتطلع إلى خدمة شعبنا الفلسطيني المكافح .وكلنا أمل أن تحقق الفائدة المرجوّة

د. عدنان اللحام